اسماعيل بن محمد القونوي

293

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الطور ) فحينئذ يكون الوعد بمعنى العهد إذ الوعد لا يكون من البشر فإن اللّه تعالى هو المنفرد بالوعد والوعيد وأما العهد فيكون من البشر أيضا هذا خلاصة ما نقله صاحب اللباب عن أبي عبيدة وغيره وقد سبق أن الأحسن حمل المفاعلة على الثلاثي لما ذكر وليكون القراءتان متحدتين معنى فيكون ليلة مفعولا به بتقدير مضاف أي وعدنا موسى تمام أربعين ولا يجوز أن ينتصب على الظرف لأن الوعد لا يقع في الأربعين إلا تجوزا فيكون مآله كونه مفعولا به ولو قيل إنه من قبيل رميت الصيد في الحرم لم يبعد إذ الموعود وهو الوحي به كما أشار إليه المصنف وقع فيه قال المصنف في أوائل سورة الأنعام ويكفي لصحة الظرفية كون المعلوم فيهما أي في السماوات والأرض فكما صح تعلق في السماوات والأرض بيعلم باعتبار كون المعلوم فيهما صح تعلق أربعين ليلة بوعدنا باعتبار كون الوحي فيها والظاهر أنه لا فرق في تلك الصحة بين ظرف المكان وظرف الزمان وأما ما أوهمه الفاعلين في صيغة فاعل ذكر صاحب الكشاف في سورة الأعراف أقوالا إن المناجاة كانت في العشر الأخير من أربعين أو بعد انقضاء أربعين أو في كلها أو في أول الأربعين وكيف ما فسر يكون في ظاهر الآية اشكال وقد ذكره صاحب التقريب وأجاب عنه أما تقرير الاشكال فهو أن أربعين إما أن تنصب على الظرفية أو على أنه مفعول به لظهور إن حمل نصبه على غيرهما من المنصوبات بعيد والأول ممتنع لأن المواعدة لم تكن في أربعين وكذا الثاني لأن المواعدة إنما تتعلق بالأحداث والمعاني لا بنفس الجشش والأزمنة ولا يجوز أن يقدر مضاف لأنه لو قدر إما أن يقدر المذكوران وهما الوحي والمجيء وهو ممتنع لأن تقدر مضافين إلى شيء واحد حذفا من اللفظ غير معهود في العربية بخلاف ما لو كان ملفوظين نحو بين ذراعي وجبهة الأسد وأن يقدر أمر واحد منهما أو غيره والأول أيضا ممتنع لأن أحدهما غير مواعد من الطرفين بل كلاهما والثاني غير جائز لأن المنقول عن المفسرين ذانك الأمران على أن المواعدة تقتضي شيئين هذا حاصل ما ذكره في وجه الاشكال وقال في وجه صحته إنه يقدر مضاف وهو أمر واحد يفك إلى معنيين ذكرهما أهل تفسير لأن غرضهم بيان المعنى وأن المقصود من كل طرف هذا لا بيان الإعراب وذلك الأمر الواحد المفكوك إلى المعنيين المذكورين مثل ملاقاة مثلا لكن اللقاء الموعود به من اللّه تعالى لأجل الوحي ومن موسى عليه السّلام لأجل استماعه ثم قال ويجوز أن يفك واعدنا إلى فعلين فجاز اضمار المعنيين المنقولين عن أهل التفسير كأنه قيل وعدنا نحن وحي أربعين ووعد موسى مجيء أربعين فواعد وإن كان واحدا لفظا لكنه متعدد ونظيره بايع الزيدان عمرا فإنه يؤول المعنى إلى باع زيد من عمرو وباع صاحبه منه لأن المفاعلة صدرت منهما دفعة واحدة فلا بد من التفكيك هذا وأقول محصول كلام صاحب التقريب في الجواب إن أربعين منتصب على أنه مفعول به لواعدنا تجوزا والمفعول به في الحقيقة الملاقاة المضافة إلى أربعين على الاتساع إجراء للزمان مجرى المفعول به والتقدير وإذ واعدنا موسى ملاقاة أربعين فالإضافة فيه كالإضافة في مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الفاتحة : 4 ] وفي قوله يا سارق الليلة أهل الدار لكن اللقاء من اللّه لأجل الوحي ومن موسى لأجل الاستماع اللازم للمجيء فيكون هذا التقدير موافقا لما فسر به المفسرون في المآل ولا يخفى ما فيه من التكليف إذ فيه ارتكاب للتجوز في لفظ أربعين مرتين مرة في إضافة المصدر المقدر إليه على وجه الاتساع وأخرى في تعليق فعل المواعدة به تعليقه بالمفعول به مع ما فيه من الحذف والخروج عن الأصل .